أشارت الكاتبة شيماء أحمد تحول الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المصري في كأس العالم 2026 إلى ما هو أبعد من كرة القدم، بعدما أصبح منصة للتعبير عن التضامن الشعبي مع فلسطين، في مشهد أعاد إلى الواجهة علاقة المصريين التاريخية بالقضية الفلسطينية، وكشف في الوقت نفسه حدود التعبير العلني عن هذا التضامن داخل البلاد.
وذكرت مجلة 972+ أن آلاف المصريين استقبلوا المنتخب الوطني في مدينة العلمين عقب عودته من البطولة، بينما رفرفت الأعلام الفلسطينية إلى جانب الأعلام المصرية على امتداد طريق الاحتفال. ورفع المشجعون لافتات تحمل صورة المدير الفني حسام حسن وقد التف حولها العلمان المصري والفلسطيني، فيما لوّح حسن بنفسه بعلم فلسطين من فوق الحافلة المكشوفة وسط هتافات الجماهير.
حسام حسن يحول مشوار المنتخب إلى رسالة تضامن مع فلسطين
ورغم خروج مصر من دور الـ16، احتفت الجماهير بالمنتخب وبمدربه بقدر احتفائها بالإنجاز الرياضي، بعدما لفت الأنظار بمواقفه العلنية الداعمة لفلسطين. وأوضح إسلام السيد، الذي سافر من القاهرة إلى العلمين لاستقبال الفريق، أن حسام حسن عبّر على أكبر منصة رياضية في العالم عما يشعر به ملايين المصريين لكنهم لا يستطيعون التصريح به بحرية.
وجاءت أبرز لحظات البطولة عقب فوز مصر التاريخي على أستراليا بركلات الترجيح في الثالث من يوليو، وهو أول انتصار مصري في الأدوار الإقصائية لكأس العالم، إذ سار حسن في أرض الملعب حاملاً العلم الفلسطيني بينما رددت الجماهير هتافات "الحرية لفلسطين". وأهدى الفوز إلى الشعبين المصري والفلسطيني، مؤكداً أن قلبه وروحه مع الفلسطينيين، وداعياً بالرحمة لشهدائهم.
وقبل مواجهة الأرجنتين، خصص حسن أكثر من أربع دقائق خلال المؤتمر الصحفي للحديث عن معاناة الفلسطينيين، وقال إن من لا يتعاطف مع الشعب الفلسطيني "ليس إنسانًا"، سواء كان عربيًا أو أوروبيًا أو أمريكيًا.
مباراة الأرجنتين تتجاوز حدود الرياضة
وانتهى مشوار مصر في البطولة بخسارة مثيرة أمام الأرجنتين بنتيجة 3-2 بعدما تقدم المنتخب المصري معظم فترات اللقاء، قبل أن تستقبل شباكه ثلاثة أهداف خلال الدقائق الأخيرة. وأثار قرار تقنية الفيديو بإلغاء هدف مصري، إلى جانب رفض احتساب ركلتي جزاء، غضبًا واسعًا بين الجماهير.
وعقب صافرة النهاية، اقترب مشجع يحمل الجنسيتين الأرجنتينية والإسرائيلية من النفق المؤدي إلى غرف الملابس رافعًا العلم الإسرائيلي، في خطوة قال لاحقًا عبر وسائل إعلام إسرائيلية إنه تعمدها لاستفزاز حسام حسن بسبب مواقفه المؤيدة لفلسطين. وبدا أن المدرب بصق في اتجاه العلم قبل أن تتدخل قوات الأمن لإبعاده.
وسارعت وسائل إعلام إسرائيلية إلى تسليط الضوء على الواقعة، بينما لم تؤثر الحادثة في مكانة حسن داخل مصر، إذ جدد الاتحاد المصري لكرة القدم عقده حتى عام 2030 خلال أقل من أربع وعشرين ساعة من خروج المنتخب من البطولة.
كما تقدم الاتحاد بشكوى رسمية احتجاجًا على التحكيم، متهمًا الحكم بالتحيز، غير أن رئيس لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم، بييرلويجي كولينا، رفض تلك الاتهامات، مؤكدًا أن نزاهة حكام كأس العالم لا يجوز التشكيك فيها.
وبالنسبة إلى كثيرين في مصر والعالم العربي، اكتسبت المباراة أبعادًا سياسية، إذ رأى البعض أنها جمعت بين منتخب أصبح رمزًا للتضامن مع فلسطين وحكومة أرجنتينية معروفة بمواقفها المؤيدة لإسرائيل بقيادة الرئيس خافيير ميلي.
التضامن الشعبي يصطدم بقيود الداخل المصري
وأكد حسام حسن، بعد عودته إلى مصر، أن مواقفه الداعمة لفلسطين لم تكن مخططة، بل جاءت بدافع إنساني ورسالة أراد إيصالها من قلب الولايات المتحدة، مضيفًا أن الفلسطينيين في غزة تابعوا مباريات المنتخب عبر شاشات نُصبت وسط الأنقاض.
ورأى الباحث الأردني الدكتور خالد شنيكات أن الاستقبال الشعبي الذي حظي به حسن يعكس مفارقة مستمرة في العلاقة بين مصر وفلسطين، إذ ظل التعاطف الشعبي حاضرًا رغم تضييق المجال العام أمام التعبير عنه. وأوضح أن الروابط التاريخية بين البلدين، الممتدة منذ حروب 1948 و1967 و1973، منحت القضية الفلسطينية مكانة خاصة لدى المصريين.
وأشار التقرير إلى أن رفع حسام حسن للعلم الفلسطيني أمام عشرات الآلاف من الجماهير قابله تمديد عقده مع المنتخب، بينما واجه مواطنون آخرون إجراءات أمنية بسبب مواقف مشابهة.
واستشهد التقرير باعتقال أكثر من مئتي مشجع من جماهير النادي الأهلي عقب رفعهم الأعلام الفلسطينية وترديدهم هتافات داعمة لغزة خلال مباراة في الدوري المحلي عام 2024، قبل الإفراج عنهم لاحقًا. كما أفادت منظمة العفو الدولية بأن السلطات احتجزت ما لا يقل عن 123 شخصًا بين أكتوبر 2023 ومايو 2024 بسبب التعبير عن التضامن مع غزة عبر الاحتجاجات أو منشورات مواقع التواصل الاجتماعي أو كتابة الشعارات، وواجه بعضهم اتهامات تتعلق بالإرهاب ونشر أخبار كاذبة والمشاركة في تجمعات غير قانونية.
وأضاف التقرير أن السلطات منعت أيضًا مسيرة "المسيرة العالمية إلى غزة"، التي شارك فيها آلاف النشطاء من عشرات الدول، وأبعدت مئات المشاركين الأجانب، بينما وُجهت اتهامات بالإرهاب إلى منظمين مصريين. كما أوقفت مبادرة "أسطول الصمود" بعد اعتقال عدد من منظميها قبل انطلاقها.
ورأى عدد من الباحثين والنشطاء أن اختيار مدينة العلمين بدلًا من القاهرة لاستقبال المنتخب لم يكن قرارًا تنظيميًا فحسب، بل حمل أبعادًا سياسية وأمنية، إذ وفر للسلطات قدرة أكبر على إدارة الحشود، إلى جانب الترويج للمدينة باعتبارها وجهة سياحية حديثة.
وقال شادي العدل، رئيس الحزب الليبرالي المصري، إن الدولة تتبنى سياسة تقوم على التحكم في المجال العام وإدارة أي حراك جماهيري، معتبرًا أن الاحتفال في العلمين جاء ضمن هذا النهج. كما رأى الناشط الحقوقي ياسر سعد أن السلطات تحرص على إظهار دعمها الرسمي للقضية الفلسطينية، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى احتواء أي تحرك شعبي مستقل قد يخرج عن سيطرتها.
لكن شادي العدل رأى أن الجدل حول الواقعة يغفل القضية الأساسية، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية لا ينبغي أن تصبح شأنًا يحتاج إلى إذن للتعبير عن التضامن معه، وأن استمرار نقل الفعاليات بعيدًا عن القاهرة يعكس اتساع الفجوة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.
www.972mag.com/egypt-palestine-world-cup-hossam-hassan/

